إليك في المرعى المبارك
الصوت يدنو، القلب يهفو، الأشواق تلمع في دهاليز قلب ثملٍ بأحزانه. أيتها الكائنات الموغلة في ذهولها، يا كلَ تلك المرائي المنتمية إلى الضجيج والزحام، يا قطعان الناس والسيارات والحيوان، أيها المرعى الكبير وسط لندن هل رأيت الراعية؟ هل مرَّتْ عليك ذاتَ وهمٍ تلبس الثوب الأخضر، وتلتفع بغلالة رقيقة من النور، ورذاذٍ مُوَشـَّى من الضوء؟
ترى هل يجود بها المكان؟ وهل تخرج لي من بين النوافير والبحيرات الصغيرة وزحمة السيارات والخطباء، في هذه المدينة المكتظة بالناس والحديد؟
وبينما أنا في عتمة الهواجس والظنون إذ أقبلت. نعم أقبلت. يا الله! ها هي تخرج من بين الأصداء والأوهام، هاهي تنبلج عنها المواجيد المشوية في أتون الروح. هاهي تخرج من زحمة الرطانات عربية الملامح متشحة بالأبهة الباذخة، تتدلى من أشواقها معانٍ لا نهاية لشطآنها.
دنت فارتجت الأكوان، تدلت فتخلـَّقـَتْ مراءٍ ما رأيتها من قبل.
أقول هل أنت الراعية؟ ولكنها لا تتكلم.
أعود فأقول بل أنت الراعية.
توقف الزمان، لاحت لي المراعي الشرقية في بوادي بلاد العرب، رُفعتْ لي على شاشة الروح شعاب الحجاز وحجارة بيت المقدس، انداحت الصحراء الشرقية وسط الهايدبارك، الثغاء يملأ المكان، أناشيد الرعاة تنثال في كل أصداء الروح. يا الله! الكون كله-هذا المساء- مضغوط في حيز صغير تقفُ هي في وسطه وأقفُ مشدوها على أطرافه.
كوَّمْتُ نفسي، وألقيت بروحي مرة واحدة في رحابة صدرها، شـَمَمْتُ روحها، لامست أشواقها، لم أستطع أن أرفع رأسي إلى وجهها من هيبة حضورها في تلك الليلة اللندنية الحافلة بالناس والأشياء.
قالت: ارفع رأسَك، ألم أعَلـِّمْكَ كيف ترفع رأسك، ألم أقرأ عليك سفر تعاليم الصحراء؟
قلت: يا سيدة الروح، والله لا أستطيع أن أضع عيني الملوثة على غرة السجود بين عينيك .
قالت بحزم: ارفع رأسك. قلت: أحقاً ما أسمع، الراعية تأذن لي أن انظر إليها.
يا أسراب الملائكة الأطهار، يا أرواح الأولياء الأخيار. ما كل هذه الحشود التي حضرت الليلة محيطة بموكبك يا سيدة المسافات والأبعاد!
رفعتُ رأسي، وقعتْ عيني على عينها، رأيت وجهي في مقلتها، صورتي في صورتها، ما أجملكِ وأبهاكِ يا سيدتي، ما أجمل لقيانا بلا ميعاد في بلاد ليست بلادَنا وزمان غير الزمان. ما أجملك وقد حضرتِ بعد أن...
قالت: إنك لقنوط، كم مرة قلت لك لا تيأس.
قلت فمتى؟
قالت: كم مرة قلت لك لا تنشغل بمتى وكيف وأين.
أما "متى" فقريب، وأما "أين" فعند السنديانة التي حدثتك عنها ذات لقاء، وأما "كيف" فإنك لن تفهم "كيف" حتى ولو حدثتك عن الكيفية، فدعك من "متى وأين وكيف".
دعك أيها المجذوب من هذا كله، وقل لي ما الذي جاء بك إلى الهايدبارك؟ هل تريد أن تدخل قائمة خطباء هذا المرعى الكبير؟
يا بني، إياك والبريقَ الذي ينسفح على جوانب هذا المرعى، ما هو بنور، إياك وخطباءَ هذه المرعى، فإنهم لن يدلوك على مرعاي، ومرعاي هناك حيث السنديانة عند الكثيب الأحمر على الشاطيء الغربي.
يا بني كلُ ما تسمعُهُ في هذا المرعى إنما هو عُصارة أصوات ولغوُ كلماتٍ لا تـُفضي إلا إلى الخواء.
كلام أهل المرعى هو الذي يفضي إلى المعاني المخبأة في الدرة المكنونة، فإياك وكلَّ ناعق على منابر هذا العراء الموحش الذي تسميه "هايدبارك".
يا بني هؤلاء الخطباء ليسوا من أهل الأسرار، لأن أهل الأسرار ليسوا خطباء على الإطلاق، أهل الأسرار لا يبوحون بها، وكل هؤلاء الخطباء إنما يهذون لأنهم لا أسرار لهم، فاعقل ذلك.
عندما تصل إليَّ ستعلم أن المعاني في الإشارات التي لا يفهمها الخطباء، فدع عنك بريق العبارات التي يزوقونها. يا بني الحقَ أقول، إن الجمال ليس في الصدور البضة ولكن في القلوب النابضة، فلا تلتبس عليك الأمور. أيها السائرُ على دروب البراري الموحشة إياك أن يُلهيـَك بريقُ العبارات عن أسرار الإشارات، أو أن يعميك ذهب الضريح عن رؤية الروح خلف الركام.
يا بني عندما تصل إليَّ فإنك لن تعود بحاجة إلى لسانك وعينك وأذنك، ما لك وهذه الآلات التي لا تستطيع معرفة متى وكيف وأين، أقبل عليَّ أيها السالك بلا عقل ودع روحك وحدها تدلك على مكاني هناك عند الشجرة المباركة.
قلت: سيدتي، إني خائف.
قالت: مِمَ؟
قلت: أخاف الموج، ومجدافي مكسور والمركب مثقوب والجزيرة دونها بحر الظلمات.
قالت: لا تخف، كلما أقبلت موجة فاقذف روحك عليها، فربما أفْضتْ بك إليَّ، ما يدريك لعلك تخرج لي من زبد البحر ذات مساء.
قلت: الأمواج عالية.
قالت: إياك أن تهرب من قدرك إذا طلبك، إن الأقدار تحب الذين يسرعون إلى لقائها عند منتصف الطريق.
قلت: ولكني خائف.
قالت: الخوف فضيلة إذا علمك الحذر ورذيلة إذا بعثك على النكوص، فاختر أيَّ الخوفين يليق بك أيها الخائف الجسور.
قلت: الطريق موحش.
قالت: وحشة الطريق هي أنس المرعى فافهم.
قلت: الزاد قليل.
قالت: زادك بين جنبيك فلا تنس.
قلت: الرحلة طويلة.
قالت: بل الراحلة بطيئة.
قلت: تعبت.
قالت: سترتاح فلا تعجل. يا بني: مصيرك إلى المرعى فلا تحزن.
قلت: متي؟
ضحكت، وقالت: ألم أقل لك لا تسأل عن متى، الحق أقول: إنك ستكون معي عما قريب، فاطمئن.
والآن قد أطلتُ المكوث في هذا المكان الذي لولا وجودك فيه ما دخلته، ولا بد لي أن أعود، فأهل المرعى ينتظرونني.
قلت في ذهول ومجازفة: لا.
قالت: ماذا قلت؟
قلت في ذعر: اغفري لي "لائي"، خرجت من غير قصد، لا صبر لي على رحيلك هذه المرة. قالت: عندما لا يكون لك الخيار فاختر الصبر، وإياك أن تـُسمعني "لاءك" مرة أخرى، فإني ما سمعتها منك قط، فكيف تقولها لي الليلة.
قلت: فدتك جوارحي التي أعيش بها سامحيني، فقد ظننت أنك ستظلين معي فترة أطول، وقد قلت "لا" نفياً لا نهياً، فارفقي بي يا سيدة الروح. قالت إني عليك لحنون، والآن اغمض عينيك حتى لا تراني وأنا أذهب إلى مرعاي.
قلت: فاسمحي لي أن أرافقك إلى باب المرعى فقط ولن أتجاوز الباب. قالت لن تستطيع؟
قلت لن أتجاوز الأعتاب.
قالت: لن تستطيع.
والآن آن لي أن أرحل، واعلم أنك سوف تتخطى الأعتاب عما قريب حيث سآخذك من أطراف روحك، وأطوف بك على المرعى كله، وسوف تجد قهوتك هناك عند السنديانة، ساخنة كما تحبها، وسأسكب عليها من الأسرار ما يجعلها تـَنـُشُّ في روحك إلى الأبد.
والآن دعني أذهب لأهيأ لك متكأك أيها الحبيب.
محمد جميح
شاعر يمني مقيم في ليفربول
ليفربول-سبتمبر 2009
|